الخيال قد يكون قوة لتغيير الواقع، وقد يتحول إلى هروب منه. خاطرة عن دون كيشوت، محاربة طواحين الهواء، والأعداء الذين نصنعهم في خيالنا.
الخيال يا صديقي دواء سحري؛ مسكّن رائع وفعّال لآلام هذا العالم القاسي.
لكن، ككل دواء في الطب، تتلخص المشكلة دائمًا في الجرعة.
إن زادت عن الحد، تحول الدواء إلى سُم؛ وتحول الخيال من قوة تساعدنا على تغيير الواقع إلى وسيلة بائسة للهروب منه.
في الروايات، قد نبتسم بشفقة ونتعاطف مع دون كيشوت. لكن في الحياة، محاربة طواحين الهواء قد تكون أقصر طريق إلى الجنون والهلاك.
![]() |
| أخطر المعارك هي التي نصنع عدوها بأنفسنا. |
ومنذ أن جعل سرفانتس فارسه يرى العمالقة حيث لا توجد سوى الطواحين، لم يعد المشهد مجرد لحظة ساخرة في رواية؛ صار استعارة لكل معركة نخوضها ضد عدو لا وجود له إلا في رؤوسنا.
والمأساة أن التاريخ البشري يمتلئ بحمقى ارتدوا دروعًا صدئة، وأضاعوا أعمارهم وأعمار شعوبهم في محاربة مؤامرات لا وجود لها، ومواجهة أعداء من نسج خيالهم؛ بحثًا عن بطولة زائفة، أو تبريرًا لعجزهم.
هؤلاء لم يغيروا الواقع قيد أنملة.
بل استنزفوا أرواحهم وأرواح من معهم في طعن الفراغ.
كارثة طواحين الهواء الحقيقية أنها صماء لا تبالي.
ستستمر في الدوران بهدوء، بينما أنت تصرخ وتلوّح بسيفك الخشبي.
وفي لحظة حتمية، عندما تقترب أكثر مما ينبغي، وأنت ممتلئ بنشوة وهمك، ستصدمك ذراع الطاحونة الضخمة وتطرحك أرضًا.
السقوط هنا ليس مجازًا، ولا نهاية لفصل في رواية.
إنه ارتطام مروّع يكسر العظام، ويمزق الأوهام، وينهي كل شيء بصورة مهينة.
الخيال العظيم، يا رفيق، هو الذي يمنحنا فكرة نبني بها طاحونة؛ لا وهمًا يجعلنا نضيع أعمارنا في العراك معها.

COMMENTS