تأمل أدبي في منتصف العمر، حين يتزايد الغائبون ويصبح فقد الأصدقاء والحنين إلى الماضي جزءًا من نظرتنا للحياة والموت ومعنى الرحيل.
![]() |
|
هناك لحظة غير معلنة في منتصف عمرك، لا يخبرك أحد بموعد وصولها، ولا تحتفل بها العائلة، ولا تظهر في التقويم بجوار أعياد الميلاد.
تأتيك غالبًا في مساء عادي جدًا.
تمسك هاتفك باحثًا عن رقم شخص ما، فتتوقف إصبعك فجأة أمام اسم لم يعد صاحبه موجودًا.
ثم اسم آخر.
وآخر.
عندها تكتشف أن دفتر هاتفك لم يعد دليلًا للمكالمات بقدر ما تحول، بهدوء لا يليق بالمأساة، إلى شاهد قبر جماعي.
أسماء لا تزال مرتبة أبجديًا كما كانت دائمًا، وصور شخصية لم تتغير، وأرقام تستطيع الضغط عليها في أية لحظة، لكنك تعرف أن أحدًا لن يجيب.
وحينها تصدمك حقيقة كئيبة لا تحتاج إلى فلسفة معقدة لفهمها:
الذين يرحلون عن عالمك للأبد صاروا أكثر من الذين يطرقون بابك للدخول إليه.
حين يبدأ العالم في إفراغ مقاعده
في شبابك يبدو العالم وكأنه يتسع باستمرار.
كل عام يحمل وجوهًا جديدة، وأصدقاء جددًا، وزملاء، وحكايات، وأماكن لم تزرها بعد.
تظن أن الحياة قائمة طويلة من الأشياء التي ستُضاف إليك.
ثم يحدث شيء غريب مع مرور السنوات.
تبدأ القائمة في الاتجاه المعاكس.
أشخاص يغادرون.
أماكن تختفي.
شوارع تتغير.
مقاهٍ اعتدت الجلوس فيها تُهدم، ومحال صغيرة تحفظ ملامح أصحابها تتحول إلى مبانٍ زجاجية لا تعرف عنها شيئًا.
وفجأة تجد أنك لم تعد تركض في مضمار الحياة باحثًا عن الفوز فقط، بل تمشي في حقل ألغام.
تتلفت حولك فتجد مقاعد الرفاق تفرغ واحدًا تلو الآخر بصمت مريب لا يشبه دراما الأفلام.
لا موسيقى حزينة في الخلفية.
ولا مشهد وداع أخير مكتوب بعناية.
أحيانًا مجرد مكالمة هاتفية قصيرة.
أو رسالة تبدأ بجملة تعرف نهايتها قبل أن تكمل قراءتها.
ثم ينطفئ شخص كان موجودًا في عالمك منذ سنوات طويلة، كما ينطفئ مصباح في صالة سينما خالية بعد أن غادر الجميع.
الموت الذي فقد قناعه
في الطفولة كان الموت شبحًا أسطوريًا.
شيئًا يحدث في القصص، أو للغرباء، أو لأشخاص كبار جدًا في السن.
كان بعيدًا بما يكفي لكي نخافه دون أن نفهمه.
لكن مع منتصف العمر يفقد الموت شيئًا من أسطوريته.
ليس لأنه أصبح أقل قسوة، وإنما لأنه أصبح أكثر اعتيادية.
تراه يمر من حولك كثيرًا.
يأخذ شخصًا عرفته في المدرسة، ثم قريبًا، ثم صديقًا، ثم وجهًا كنت تظن أن أمامه عقودًا كاملة من الحياة.
وفجأة لا يعود الموت وحشًا يعيش في الغابة.
بل يتحول إلى جار عجوز ثقيل الظل.
تراه كل صباح يشتري الصحيفة نفسها من الكشك نفسه.
لا يتحدث إليك كثيرًا.
لكنك تعرف أنه يعرف عنوان بيتك.
وتدرك أنه في يوم ما سيدق جرس بابك ليطلب فنجان قهوة لن ترفضه.
الموت لا يصبح أقل غموضًا مع العمر.. لكنه يصبح أقل غرابة.
الحنين حين يصبح مكانًا نسكنه
ومع الغياب يتغير الحنين أيضًا.
لم يعد مجرد اشتياق لطيف إلى أغنية قديمة أو صورة من المدرسة.
يتحول أحيانًا إلى شيء أثقل.
تشتاق لضحكة صديق ابتلعه التراب.
أو لصوت شخص كانت مكالمته تضايقك أحيانًا، ثم أصبحت تتمنى لو يرن هاتفك باسمه مرة واحدة فقط.
تشتاق لمقهى قديم هُدم ليحل محله متجر عطور رديء، ولشارع كان أضيق وأكثر حياة، ولمقاعد خشبية لم يكن فيها شيء مميز إلا أن الذين تحبهم كانوا يجلسون فوقها.
ويحدث شيء آخر أكثر غرابة:
تبدأ في الشعور بأن ذاكرتك تحفظ نسخة من العالم لم تعد موجودة خارجه.
أنت تعرف أسماء محال اختفت.
وتتذكر أشخاصًا لا يعرفهم أحد ممن حولك الآن.
وتفهم نكاتًا وإشارات وأغنيات تنتمي إلى زمن آخر.
فتشعر أحيانًا بغربة مريعة، كأنك كائن من عصر البليستوسين نجا بالخطأ من موجة الانقراض الكبرى، وظل يثرثر بلغة عالم انقرضت معظم شواهده.
لا لأن الأجيال الجديدة أسوأ.
ولكن لأن كل جيل يبني قاموسه الخاص، وفي لحظة ما تكتشف أنك أصبحت تحمل قاموسًا لمدينة لم تعد موجودة بالكامل.
نصف أرواحنا يعيش في الماضي
ربما لهذا يزداد تعلق الإنسان بالماضي كلما تقدم في العمر.
ليس لأن الماضي كان أجمل بالضرورة.
ذاكرتنا ماهرة في حذف الكثير من الألم، كما أنها تبالغ أحيانًا في تزيين ما مضى.
لكن الماضي يمتلك ميزة لا يستطيع الحاضر منافسته فيها:
الأشخاص الذين كانوا هناك.
نحن لا نشتاق دائمًا إلى الأماكن القديمة، بل إلى النسخة التي كناها من أنفسنا داخل تلك الأماكن.
إلى الشاب الذي كان يجلس على المقهى نفسه ولا يعرف بعد أسماء الذين سيفقدهم.
إلى تلك الفترة التي كان فيها المستقبل مزدحمًا أكثر من الماضي.
كان الباب أمامك مليئًا باحتمالات الدخول.
ثم تكبر، فتجد أن عدد الأبواب التي أُغلقت خلفك أصبح أكبر.
المصالحة البطيئة مع النهاية
لكن في عمق هذا الشجن، يحدث تحول أكثر هدوءًا.
ثمة شيء يشبه السكينة الصوفية يبدأ في ملاحقة الروح على استحياء.
قد لا تتخلص من الخوف من الموت.
فالإنسان متمسك بالحياة بطبيعته، وبالأشخاص الذين يحبهم، وبالأشياء الصغيرة التي لا يريد أن يتركها.
لكن الموت نفسه يتوقف تدريجيًا عن الظهور كعدو شخصي.
تبدأ في النظر إليه باعتباره جزءًا من البنية التي وُلدت داخلها الحياة نفسها.
كأن وجودنا هنا كان دائمًا إقامة مؤقتة، لكننا في شبابنا كنا مشغولين أكثر من اللازم لكي نقرأ مدة الإقامة المكتوبة على البطاقة.
إننا نولد معارين لهذا العالم لفترة وجيزة.
لا نملك الأشخاص الذين نحبهم، ولا يملكوننا.
نلتقي فقط لفترة.
نمشي معًا جزءًا من الطريق.
ثم يبدأ البعض في الوصول إلى نهاية الجزء المخصص له قبل الآخرين.
حين تصبح الضفة الأخرى أكثر ازدحامًا
ومع كل رفيق يرحل، يسقط جزء من ثقل هذه الأرض عن كواهلنا، ليسبقنا — في إحساسنا وحنيننا على الأقل — إلى الضفة الأخرى.
وتبدأ فكرة غريبة في التسلل إلى النفس:
أن قائمة الذين نفتقدهم هناك تكبر.
الآباء.
الأصدقاء.
الأقارب.
الوجوه التي كانت جزءًا من ترتيب العالم ثم اختفت منه.
ويصبح العالم الآخر، في خيال القلب، أكثر ألفة وازدحامًا بالأحبة من هذا العالم البارد هنا.
ربما لهذا يتغير الخوف من النهاية مع العمر.
ليس لأننا أصبحنا شجعانًا فجأة.
ولا لأن الحياة فقدت قيمتها.
بل لأن فكرة الرحيل نفسها لم تعد تعني الذهاب إلى مكان لا نعرف فيه أحدًا.
نحن الباقون قليلًا
في منتصف العمر تبدأ في إدراك معنى كلمة «الباقين» بطريقة مختلفة.
أن تبقى لا يعني أنك انتصرت.
يعني فقط أن دورك لم يصل بعد.
ولهذا ربما يصبح السؤال الأكثر نضجًا ليس: كم بقي لي؟
بل: ماذا سأفعل بالجزء الذي بقي؟
هل سأقضي ما تبقى وأنا أؤجل المكالمات التي أريد إجراءها؟
هل سأحتفظ بالكلمات الطيبة إلى مناسبة قد لا تأتي؟
هل سأخاصم أشخاصًا أحبهم لأن كبريائي أقنعني بأن الوقت طويل؟
أم سأتعلم أخيرًا الدرس القاسي الذي تعلمته من أسماء دفتر الهاتف؟
أن بعض المكالمات التي نقول إننا سنجريها غدًا، يأتي عليها غد لا يستطيع أحد فيه الرد.
النصف الآخر من الحكاية
ربما لم نعد نخاف النهاية بالطريقة نفسها.
لأننا ببساطة تركنا نصف أرواحنا بالفعل في المقابر مع الذين سبقونا.
تركنا أجزاء منا مع آبائنا وأمهاتنا وأصدقائنا، ومع بيوت لم تعد قائمة، ومع شوارع تغيرت، ومع أصوات لن نسمعها مرة أخرى إلا داخل رؤوسنا.
وكلما تقدم العمر، يصبح الإنسان مكوّنًا من شيئين:
ما يزال معه.
وما فقده لكنه لم يغادره أبدًا.
وفي النهاية، ربما نحن فقط ننتظر الإشارة الأخيرة لنكمل النصف الآخر من الحكاية.
في مكان لا تفرغ فيه المقاعد.
ولا تنطفئ فيه الأنوار فجأة.

COMMENTS