قصة ألبرت أينشتاين صاحب النظرية النسبية: من مكتب براءات الاختراع إلى نوبل، مع شرح مبسط لأهم أفكاره وحقيقة دوره في القنبلة الذرية ورفضه رئاسة إسرائيل.
![]() |
| أينشتاين غيّر فهمنا للمكان والزمان والجاذبية. |
يكفي أن يُقال «النظرية النسبية» حتى يظهر اسم ألبرت أينشتاين. لكن اختزال هذا الرجل في معادلة شهيرة وصورة بشعر أشعث يضيّع جزءًا كبيرًا من قصته.
أينشتاين لم يغيّر فقط الطريقة التي يفهم بها الفيزيائيون المكان والزمان والجاذبية؛ فقد ساهم أيضًا في تأسيس أفكار أساسية في فيزياء الكم، وفسّر الظاهرة الكهروضوئية، وربط بين الكتلة والطاقة، وتحولت بعض نتائج أفكاره بعد عقود إلى أشياء تدخل في تقنيات نستخدمها اليوم.
وفي حياته قصة لا تقل إثارة عن الفيزياء نفسها: موظف في مكتب براءات اختراع ينشر خلال عام واحد أوراقًا غيّرت العلم، ثم يتحول إلى أشهر فيزيائي في العالم، يهرب من ألمانيا بعد وصول النازيين إلى الحكم، ويحذر الرئيس الأمريكي من احتمال صنع ألمانيا قنبلة ذرية، ثم يُعرض عليه لاحقًا منصب رئيس دولة فيعتذر.
ألبرت أينشتاين في سطور
| الاسم | ألبرت أينشتاين – Albert Einstein |
| الميلاد | 14 مارس 1879 – أولم، ألمانيا |
| الوفاة | 18 أبريل 1955 – برينستون، الولايات المتحدة |
| المجال | الفيزياء النظرية |
| أشهر إنجازاته | النسبية الخاصة والعامة، تفسير الظاهرة الكهروضوئية، التكافؤ بين الكتلة والطاقة |
| جائزة نوبل | نوبل الفيزياء لعام 1921، وتسلمها في 1922 |
| سبب نوبل | إسهاماته في الفيزياء النظرية، وبخاصة اكتشاف قانون الظاهرة الكهروضوئية |
من هو ألبرت أينشتاين؟
وُلد ألبرت أينشتاين في مدينة أولم الألمانية عام 1879، ونشأ في أسرة يهودية ألمانية من الطبقة الوسطى.
درس لاحقًا في المعهد الفيدرالي السويسري للتكنولوجيا في زيورخ، وبعد التخرج لم يبدأ حياته المهنية أستاذًا في جامعة مرموقة كما قد توحي شهرته اللاحقة.
عمل في مكتب براءات الاختراع في برن بسويسرا، وكانت تلك المرحلة واحدة من أغرب البدايات في تاريخ العلم؛ ففي الوقت الذي كان يفحص فيه طلبات الاختراعات لكسب رزقه، كان يفكر في الضوء والحركة والزمان وطبيعة المادة.
ثم جاء عام 1905.
1905: العام الذي غيّر حياة أينشتاين والفيزياء
يُعرف عام 1905 في سيرة أينشتاين باسم العام المعجزة، لأنه نشر خلاله عدة أبحاث أساسية تناولت موضوعات مختلفة تمامًا، وكان لبعضها أثر عميق في تاريخ الفيزياء.
من بينها بحث فسّر فيه الظاهرة الكهروضوئية باستخدام فكرة أن الضوء يمكن التعامل معه في صورة كمّات من الطاقة، وبحث عن الحركة البراونية ساعد على تدعيم الفهم الذري للمادة.
وفي العام نفسه نشر بحثه عن النسبية الخاصة.
كما توصّل إلى العلاقة بين الكتلة والطاقة التي أصبحت تُختصر في أشهر معادلة مرتبطة باسمه:
E = mc²
لكن من المهم تصحيح معلومة تتكرر أحيانًا: أينشتاين لم يضع النظرية النسبية وهو لم يكمل العشرين من عمره. كان في السادسة والعشرين تقريبًا عندما نشر النسبية الخاصة عام 1905.
ما النظرية النسبية الخاصة ببساطة؟
كان أحد الأسئلة التي أربكت الفيزيائيين في ذلك العصر يتعلق بالحركة والضوء.
في حياتنا اليومية، إذا كنت داخل قطار يسير بسرعة ورميت كرة إلى الأمام، فمن المنطقي أن تؤثر حركة القطار في السرعة التي يراها شخص يقف خارج القطار.
لكن الضوء لا يتصرف بهذه البساطة.
بنى أينشتاين النسبية الخاصة على مبدأين أساسيين، من أهم نتائجهما أن سرعة الضوء في الفراغ ثابتة بالنسبة إلى المراقبين الذين يتحركون حركة منتظمة، وأن قياسات الزمان والمكان ليست مستقلة تمامًا عن حركة المراقب.
ومن هنا تظهر نتائج تبدو غريبة مقارنة بتجربتنا اليومية، مثل تمدد الزمن وانكماش الأطوال عند السرعات العالية جدًا.
هذا لا يعني أن «كل شيء نسبي» بالمعنى الفلسفي الشائع، بل إن النظرية تصف بدقة كيف ترتبط قياسات المكان والزمان والحركة ببعضها.
وماذا تعني E = mc²؟
المعادلة الشهيرة تعبّر عن ارتباط عميق بين الكتلة والطاقة.
فالكتلة يمكن اعتبارها شكلًا من أشكال الطاقة، والكمية الصغيرة جدًا من الكتلة تقابل مقدارًا هائلًا من الطاقة بسبب وجود مربع سرعة الضوء في المعادلة.
لم يخترع أينشتاين القنبلة الذرية بهذه المعادلة، كما لا تعني المعادلة وحدها كيفية تصنيع قنبلة نووية.
لكن مبدأ تكافؤ الكتلة والطاقة أصبح من الأسس التي تساعدنا على فهم العمليات النووية والطاقة التي يمكن أن تنتج عنها.
النسبية العامة: عندما أصبحت الجاذبية انحناءً في الزمكان
لم تنتهِ قصة أينشتاين مع النسبية عام 1905.
بعد نحو عشر سنوات من العمل، أكمل عام 1915 النظرية النسبية العامة.
الفكرة شديدة التعقيد رياضيًا، لكن جوهرها يمكن تبسيطه: الجاذبية ليست مجرد قوة جذب تعمل بين الأجسام بالطريقة التي اعتدنا تصورها في الفيزياء النيوتنية؛ فالكتلة والطاقة تؤثران في هندسة الزمكان، والأجسام والضوء تتحرك داخل هذا الزمكان المنحني.
تخيل سطحًا مرنًا وُضعت فوقه كرة ثقيلة فغيّرت شكله. التشبيه ناقص بالطبع، لكنه يقرب الفكرة: الأجسام الضخمة تغيّر هندسة المنطقة المحيطة بها.
وفي عام 1919 أصبحت أينشتاين شخصية عالمية عندما قدمت مشاهدات كسوف الشمس دليلًا شهيرًا يدعم تنبؤ النسبية العامة بانحراف الضوء بالقرب من الشمس.
هل حصل أينشتاين على نوبل بسبب النظرية النسبية؟
لا.
وهذه واحدة من أشهر المفاجآت في سيرته.
جائزة نوبل في الفيزياء لعام 1921 مُنحت إلى أينشتاين عن خدماته للفيزياء النظرية، وبصورة خاصة عن اكتشاف قانون الظاهرة الكهروضوئية.
وأُعلنت الجائزة في 1922 بعد أن كانت جائزة 1921 قد حُجزت إلى العام التالي.
أما النسبية، رغم أنها أصبحت أشهر أعماله، فلم تكن هي العمل الذي ذكرته لجنة نوبل في سبب الجائزة.
ما الظاهرة الكهروضوئية التي حصل بسببها على نوبل؟
عندما يسقط ضوء مناسب على بعض المواد يمكن أن يؤدي إلى انبعاث إلكترونات منها.
واجه الفيزيائيون صعوبة في تفسير بعض خصائص هذه الظاهرة باستخدام الصورة الموجية التقليدية للضوء وحدها.
قدم أينشتاين تفسيرًا يعتمد على أن الضوء يمكن أن ينقل الطاقة في وحدات منفصلة؛ وهي الفكرة التي ارتبطت لاحقًا بمفهوم الفوتونات.
كان لهذا العمل دور مهم في تطور فيزياء الكم، وهي مفارقة مثيرة لأن أينشتاين نفسه أصبح لاحقًا من أشهر المنتقدين لبعض التفسيرات الفلسفية لميكانيكا الكم.
من ألمانيا إلى برينستون
بحلول عشرينيات القرن العشرين كان أينشتاين قد أصبح من أشهر العلماء على الأرض.
لكن وصول النازيين إلى السلطة في ألمانيا عام 1933 جعل عودته إلى البلاد غير ممكنة.
كان يهوديًا، كما كان من أبرز الشخصيات العلمية والفكرية التي استهدفها المناخ النازي المعادي لليهود والمعارض لآرائه السياسية والعلمية.
انتقل إلى الولايات المتحدة، واستقر في برينستون، حيث أصبح من أوائل أعضاء هيئة التدريس في Institute for Advanced Study، وظل مرتبطًا به منذ 1933 حتى وفاته عام 1955.
وحصل على الجنسية الأمريكية عام 1940.
هل صنع أينشتاين القنبلة الذرية؟
لا. أينشتاين لم يصنع القنبلة الذرية ولم يعمل في مشروع مانهاتن.
لكن توجد حلقة مهمة تربط اسمه ببداية المسار الأمريكي نحو السلاح النووي.
في عام 1939، ومع الخوف من إمكانية أن تطور ألمانيا النازية سلاحًا نوويًا، وقّع أينشتاين الرسالة الشهيرة الموجهة إلى الرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت، والتي ارتبط إعدادها بالفيزيائي ليو زيلارد وزملائه.
حذرت الرسالة من التطورات في أبحاث الانشطار النووي وإمكانية أن تقود إلى قنابل شديدة القوة، ولفتت الانتباه إلى أبحاث اليورانيوم في ألمانيا.
لكن أينشتاين نفسه لم ينضم بعد ذلك إلى مشروع مانهاتن السري الذي صنع القنبلة.
وبعد الحرب أصبح من الأصوات الداعية إلى الحد من خطر الأسلحة النووية.
هل كانت E = mc² هي سبب القنبلة الذرية؟
المعادلة تساعد على فهم أن تغيرًا صغيرًا في الكتلة يمكن أن يقترن بكمية كبيرة من الطاقة، ولذلك ترتبط من حيث المبدأ بالطاقة النووية.
لكن الطريق من معادلة في الفيزياء إلى قنبلة ذرية احتاج إلى اكتشاف الانشطار النووي، وفهم التفاعل المتسلسل، وتطوير تقنيات تخصيب اليورانيوم وإنتاج البلوتونيوم وتصميم السلاح نفسه.
لذلك فإن القول إن «أينشتاين اخترع القنبلة بسبب E = mc²» اختزال تاريخي وعلمي شديد.
لماذا رفض أينشتاين رئاسة إسرائيل؟
بعد وفاة حاييم وايزمان، أول رئيس لإسرائيل، عام 1952، طُرح على أينشتاين أن يتولى منصب الرئاسة.
أي أن العرض لم يكن ليجعله «أول رئيس لإسرائيل»، كما يرد أحيانًا، وإنما كان متعلقًا بخلافة الرئيس الأول.
رفض أينشتاين العرض.
وفي تفسيره للقرار أشار إلى أنه أمضى حياته يتعامل مع الأمور الموضوعية والعلمية، وأنه لا يملك الاستعداد الطبيعي أو الخبرة اللازمة للتعامل مع الناس وأداء الوظائف الرسمية التي يتطلبها المنصب.
وانتُخب إسحاق بن تسفي بعد ذلك رئيسًا ثانيًا لإسرائيل.
أين يأتي أينشتاين في كتاب «المائة» لمايكل هارت؟
يظهر ألبرت أينشتاين في المرتبة العاشرة ضمن قائمة مايكل هارت للشخصيات الأكثر تأثيرًا في التاريخ.
ومن المهم التعامل مع هذا الترتيب باعتباره اختيار المؤلف ومعاييره الشخصية لقياس التأثير، وليس تصنيفًا علميًا نهائيًا لعظمة البشر.
يمكنك الاطلاع على الخالدون مائة: الصفحة المرجعية للشخصيات وترتيبها، كما يأتي إسحاق نيوتن في مرتبة أعلى ضمن قائمة هارت.
ماذا غيّر أينشتاين في حياتنا اليوم؟
ليست النسبية مجرد فكرة غريبة عن الزمن تُذكر في كتب الفيزياء.
آثارها تدخل في فهمنا الحديث للكون، من الثقوب السوداء وعدسات الجاذبية إلى موجات الجاذبية وحركة الأجرام في المجالات الجاذبية القوية.
وحتى أنظمة تحديد المواقع عبر الأقمار الصناعية تحتاج إلى أخذ تأثيرات نسبية في الحسبان للحفاظ على الدقة المطلوبة في قياس الزمن وتحديد المواقع.
أما الأفكار التي ساعد أينشتاين على تطويرها حول الضوء والظاهرة الكهروضوئية فقد أصبحت جزءًا من الأساس العلمي لتقنيات حساسة للضوء وتطبيقات إلكترونية متعددة.
لماذا أصبح أينشتاين رمزًا للعبقرية؟
هناك علماء غيروا التاريخ دون أن تتحول وجوههم إلى أيقونات ثقافية.
أما أينشتاين فاجتمعت لديه عدة أشياء في وقت واحد.
غيّرت نظرياته مفاهيم كبرى اعتاد البشر التعامل معها باعتبارها بديهية: المكان والزمان والجاذبية والطاقة.
ثم جاء إثبات تنبؤات النسبية العامة في بدايات القرن العشرين ليجعل الصحافة العالمية تتعامل معه كرمز لثورة علمية جديدة.
وبمرور الوقت أصبحت صورته وشعره الشهير واسمه اختصارًا شعبيًا لكلمة «عبقري» نفسها.
لكن هذه الصورة قد تخفي وراءها حقيقة أكثر إثارة: العلم عند أينشتاين لم يكن سلسلة لحظات سحرية تهبط فيها الإجابات فجأة.
النسبية العامة وحدها احتاجت إلى نحو عقد من البحث والمحاولات والطرق المغلقة قبل أن تصل إلى شكلها النهائي.
أينشتاين ونيوتن: هل ألغى أحدهما الآخر؟
من الخطأ تصور تاريخ العلم كمباراة انتهت بانتصار أينشتاين وهزيمة نيوتن.
قوانين نيوتن ما زالت تعمل بدقة ممتازة في نطاق واسع جدًا من حياتنا اليومية والهندسة وحركة الأجسام عندما لا تكون السرعات قريبة من سرعة الضوء ولا تكون الجاذبية شديدة للغاية.
ما فعلته النسبية هو أنها قدمت وصفًا أعمق يعمل في ظروف تتجاوز حدود الوصف النيوتني.
وهكذا يتقدم العلم غالبًا: النظرية الجديدة لا تجعل كل ما سبقها عديم القيمة، بل تشرح لماذا نجحت النظرية القديمة وأين تبدأ حدودها.
وفاة ألبرت أينشتاين وإرثه
توفي ألبرت أينشتاين في برينستون يوم 18 أبريل 1955 عن عمر 76 عامًا.
وكان في سنواته الأخيرة لا يزال يحاول الوصول إلى نظرية توحّد القوى الأساسية في وصف واحد، وهو هدف لم ينجح في تحقيقه.
لكن ما تركه كان كافيًا لتغيير شكل الفيزياء في القرن العشرين وما بعده.
ربما لهذا أصبح اسم أينشتاين أكبر من مجرد اسم صاحب «النظرية النسبية».
فقصته تذكّرنا بشيء مهم عن العلم نفسه: أعظم التحولات تبدأ أحيانًا بسؤال يبدو بسيطًا جدًا.
ماذا سيحدث لو طاردت شعاعًا من الضوء؟
كيف يمر الزمن لشخص يتحرك بسرعة هائلة؟
وماذا لو لم تكن الجاذبية قوة بالطريقة التي تصورناها؟
تغيير السؤال أحيانًا هو الخطوة الأولى لتغيير صورة الكون كله.

COMMENTS