قراءة بقلم محمد جابر في مسلسل البرنس: صراع رضوان مع إخوته، بناء شخصيات الشر، وتكرار قالب المظلوم والانتقام في دراما محمد رمضان.
بقلم: محمد جابر
أبسط طرق النجاح دراميًا أن تصنع صراعًا واضحًا بين الخير والشر، لكن الصعوبة الحقيقية تبدأ عندما تحاول أن تمنح الشر أكثر من وجه، فلا يتحول جميع خصوم البطل إلى نسخة واحدة ترتدي أسماء مختلفة.
وهنا كانت واحدة من نقاط قوة مسلسل «البرنس».
المسلسل، الذي عُرض في موسم رمضان 2020، كتبه وأخرجه محمد سامي، وقام ببطولته محمد رمضان في شخصية رضوان البرنس، إلى جانب أحمد زاهر وروجينا ونور وإدوارد ومحمد علاء وريم سامي وأحمد داش وآخرين.
لكن ما جذبني إليه لم يكن الحكاية في حد ذاتها؛ فخط المظلوم الذي يتلقى الضربات حتى تحين لحظة الانتقام ليس جديدًا على الدراما.
الجديد نسبيًا كان مقدار الشر الذي استطاع العمل توزيعه على الإخوة.
|
| في «البرنس» لم يكن لخصوم رضوان وجه واحد. |
حين يرتدي الشر أكثر من ثوب
صُنّاع «البرنس» نجحوا في إلباس الشر أكثر من ثوب بتعدد الإخوة.
هناك الشر البارد، والشر الانفعالي، والانتهازي، والمتبجح، ومن يصل إلى درجة يبدو معها كأنه فقد آخر ما يربطه بالرحمة.
هذا التنوع مهم دراميًا، لأنه يمنع الصراع ـ في أفضل لحظاته ـ من أن يصبح مجرد بطل صالح في مواجهة كتلة سوداء واحدة.
كل شخصية تضغط على رضوان بطريقة مختلفة، وكل ضربة جديدة تدفع المشاهد إلى الانتظار لا ليرى ماذا سيحدث فقط، بل ليرى اللحظة التي ستنعكس فيها موازين القوة.
الشر هنا يؤدي وظيفة واضحة: يجعلك تتورط عاطفيًا في الحكاية حتى تصبح منتظرًا للانتقام بقدر انتظار البطل نفسه له.
محمد رمضان والمظلوم الذي نعرفه
في الجهة المقابلة يقف محمد رمضان.
ولا أنكر موهبته في هذا النوع من الشخصيات؛ لديه حضور يناسب الرجل الشعبي المقهور الذي يحتمل كثيرًا قبل أن ينقلب المشهد.
لكن مشكلتي ليست في قدرته على أداء النموذج، بل في تكراره.
ما القيمة المضافة عندما يصبح الطريق مألوفًا قبل أن تكتمل الرحلة؟
قهر، ثم خسارة، ثم سجن أو حصار، ثم خروج، ثم انتظار طويل للحظة الحساب.
قد تختلف التفاصيل، لكن الإيقاع نفسه يستطيع أن يتحول بمرور الوقت إلى منطقة راحة للممثل وصانع العمل معًا.
والفنان الموهوب لا يحتاج فقط إلى الدور الذي يجيده، بل إلى الدور الذي يجبره على البحث عن مساحة جديدة داخله.
الإخوة أعداء
العنوان الذي كتبت به هذه القراءة أول مرة كان «الإخوة أعداء».
لأن أكثر ما يثير القلق في «البرنس» ليس أن الإنسان يملك أعداء، بل أن يتحول البيت نفسه إلى ساحة الحرب.
المسلسل يضع الميراث والغيرة والضغائن القديمة والطمع داخل عائلة واحدة، ثم يترك هذه العناصر تتفاعل حتى تتحول رابطة الدم من مصدر للأمان إلى جزء من المشكلة.
وهي تيمة قديمة جدًا في الحكايات الإنسانية؛ الأخوة ليست ضمانًا تلقائيًا للمحبة، كما أن الخلاف على المال أو المكانة يستطيع أن يكشف ما كان مخفيًا تحت سنوات طويلة من الحياة المشتركة.
«البرنس» لا يقدم هذا المعنى بخفة، بل يدفعه إلى أقصى درجات الميلودراما، لكنه ينجح رغم المبالغة في لمس خوف اجتماعي حقيقي: أن يأتي الأذى من الشخص الذي يفترض أنك كنت أكثر اطمئنانًا إليه.
أسرة مركبة لا تعني كارثة محتومة
في النص القديم ربطت تعدد الزوجات ووجود إخوة غير أشقاء مباشرة بالخطر، وهذه صياغة أوسع مما تحتمله الحكاية.
المشكلة ليست في شكل الأسرة وحده.
هناك أسر مركبة تستطيع بناء علاقات صحية، وأسر أبسط شكلًا تستطيع أن تنتج صراعات شديدة.
الأقرب لما يقوله المسلسل هو أن العلاقات غير المحسومة، والغيرة المتراكمة، وشعور الأبناء بالتفاوت أو الظلم، وغياب الحوار، كلها مواد قابلة للاشتعال عندما يدخل المال والميراث إلى الصورة.
ليس عدد الأمهات هو الذي يصنع المأساة وحده، بل الطريقة التي تُدار بها العلاقات بين أفراد الأسرة.
الميراث ليس مجرد أموال
يبدو الميراث في الأعمال الدرامية أحيانًا كأنه صندوق نقود ينتظر موت الأب حتى يبدأ الجميع في اقتسامه.
لكن الصراع الحقيقي أعمق.
المال يستطيع أن يتحول إلى ترجمة لمشاعر أقدم: من كان الأقرب إلى الأب؟ من يعتقد أنه ضحى أكثر؟ من يشعر أن شقيقه نال ما لا يستحق؟ ومن كان ينتظر فرصة قديمة للانتقام؟
لذلك تنجح حكايات الميراث حين لا يكون المال هو السبب الوحيد، بل الشرارة التي تكشف ما كان موجودًا أصلًا.
وفي «البرنس» يصبح المال والأملاك جزءًا من شبكة أوسع من الطمع والكراهية والصراع على النفوذ داخل العائلة.
هل احتاج المسلسل إلى كل هذا الشر؟
هنا يمكن الاعتراض على العمل نفسه.
عندما ترفع مستوى الشر إلى أقصاه باستمرار، يصبح الحفاظ على التصاعد أصعب.
إذا ارتكب الخصم في الحلقة العاشرة ما يكفي لجعله وحشًا كاملًا، فما الذي ستضيفه الحلقة الخامسة عشرة كي تجعله أسوأ؟
المبالغة تمنح المشاهد انفعالًا قويًا، لكنها قد تسلب الشخصيات بعض تعقيدها الإنساني.
فالشرير الأكثر إثارة ليس دائمًا من يفعل أبشع شيء، بل من نفهم منطقه ونرى المسار الذي أوصله إلى ما أصبح عليه، حتى ونحن نرفض أفعاله.
بعض شخصيات «البرنس» تملك هذه المساحة، بينما تتحول شخصيات أخرى إلى أدوات لإضافة عذاب جديد إلى حياة رضوان.
محمد رمضان: الموهبة تحتاج إلى التنوع
اختلافي مع بعض اختيارات محمد رمضان الفنية أو صورته الجماهيرية لا يجعلني أنكر موهبته كممثل.
لكن الموهبة نفسها قد تصبح سببًا للتكرار عندما يكتشف الفنان الشخصية التي يعرف كيف يكسب بها تعاطف الجمهور، ثم يعود إليها مرة بعد أخرى.
رضوان البرنس شخصية تناسب أدوات محمد رمضان جيدًا: الصمت، الانكسار، البكاء، ثم التحول إلى رجل قادر على المواجهة.
ولهذا كان نجاح الدور متوقعًا إلى حد ما.
لكن ما أتمناه من ممثل يملك هذه الأدوات هو أن يضعها في اختبار مختلف، لا أن يظل نجاح النموذج السابق مبررًا لإعادة تدويره.
لماذا نجح «البرنس» رغم مألوفية الحكاية؟
لأن الحكاية المألوفة ليست بالضرورة حكاية فاشلة.
الدراما لا تُقاس فقط بمدى جدة الفكرة، بل بقدرة العمل على تنفيذها وجعل المشاهد يعيشها.
محمد سامي بنى صراعًا مباشرًا يسهل الدخول إليه، وجمع حول رضوان مجموعة كبيرة من الخصوم، ووضع الممثلين في مواجهات تسمح لهم بإظهار الانفعال بأقصى درجاته.
ولذلك يستطيع المشاهد أن يرى الطريق مألوفًا، ومع ذلك يريد أن يكمله.
فهو لا ينتظر المفاجأة فقط؛ ينتظر العدالة الدرامية.
وهذا ربما كان سر العمل وعيبه في الوقت نفسه.
لقد عرف منذ البداية تقريبًا المشاعر التي يريد أن يستخرجها منك، ونجح كثيرًا في استخراجها، لكنه نادرًا ما حاول أن يغير قواعد اللعبة نفسها.
«البرنس» دراما تعرف جيدًا كيف تجعل المشاهد يغضب ويتعاطف وينتظر الانتقام؛ لكنها تترك السؤال مفتوحًا: ماذا كان يمكن أن يحدث لو منحت موهبة أبطالها حكاية أقل اعتمادًا على الطريق الذي نعرف نهايته قبل أن نسير فيه؟
هذه القراءة تعبّر عن رأي كاتبها.
COMMENTS