من معنى «مدن الملح» عند عبد الرحمن منيف إلى استعارة «نفوس الملح»: قراءة أدبية في البريق الذي يبدو صلبًا حتى تأتي لحظة الاختبار ويهطل المطر.
![]() |
| لا يكشف البريق مادة البناء؛ المطر يفعل |
كان في عبد الرحمن منيف شيء من بصيرة زرقاء اليمامة؛ لا بمعنى أنه كان يقرأ الغيب أو يتنبأ بحوادث المستقبل واحدةً واحدة، بل لأنه امتلك تلك العين الأدبية التي تستطيع أن ترى في لحظة التكوين بذور الهشاشة الكامنة داخلها.
حين كتب «مدن الملح»، لم يكن يرثي جغرافيا تغيرت أو صحراء اخترقتها آبار النفط وحسب.
كان يراقب انقلابًا أوسع: المال حين يصل أسرع من قدرة المجتمع على استيعابه، والمدن حين تتضخم أسرع من ذاكرتها، والسلطة والاقتصاد والعلاقات الاجتماعية حين يعاد تشكيلها في زمن أقصر من الزمن الذي تحتاجه الأشياء عادةً لكي تتجذر.
ومن هنا كان الملح.
ليس لأنه مادة بلا قيمة؛ فالملح نفسه ضرورة للحياة. ولكن لأن البناء منه يستطيع أن يبدو قائمًا وصلبًا، بينما يحمل في مادته قابلية للذوبان بمجرد أن يتغير الشرط الذي أبقاه متماسكًا.
لماذا سماها عبد الرحمن منيف «مدن الملح»؟
شرح منيف معنى العنوان في أكثر من حديث، وربطه بمدن نشأت في وقت استثنائي وبسرعة استثنائية، مدفوعة بثروة النفط الطارئة، لا نتيجة تراكم مديني واجتماعي طويل.
كان قلقه من أن تكون الضخامة والبريق والحداثة الظاهرة أسرع من تكوّن الأساس القادر على حملها.
وحين شبّهها بالملح، كان معنى الهشاشة حاضرًا بوضوح: بناء يبدو ضخمًا، لكنه قد ينكشف أمام الماء أو انقطاع شروط الحياة التي جعلته ممكنًا.
ولهذا لا تختصر خماسية «مدن الملح» في أبراج حديثة أو نقد معماري.
هي أوسع من ذلك بكثير؛ رواية عن التحول الذي أحدثه النفط في المجتمع والسلطة والعمل والاقتصاد والعلاقات، وعن البشر الذين وجدوا عالمهم القديم يتغير أمامهم بسرعة لم تمنحهم دائمًا فرصة لفهم ما يفقدونه أو ما يدخلون إليه.
كان من الممكن أن يسميها «مدن النفط».
لكنه اختار الملح، لأن النفط يشرح سبب التحول، بينما الملح يطرح سؤالًا عن مادة البناء نفسها.
من مدن الملح إلى نفوس الملح
هنا أترك منيف قليلًا.
فما يلي ليس تفسيرًا آخر لخماسيته، ولا مصطلحًا استخدمه هو.
إنه الامتداد الذي ظلت استعارته تستفزني إليه كلما خرجت من الكتاب ونظرت إلى البشر:
نحن محاطون بـ«نفوس الملح» يا رفيقي.
أناس بنوا صورتهم أسرع مما بنوا أنفسهم.
راكموا مفردات النجاح قبل خبرته، والكلمات الكبيرة قبل أثمانها، والمبادئ قبل أن يضطروا يومًا إلى الاختيار بينها وبين مصلحتهم.
واجهاتهم النفسية فخمة.
كل شيء في مكانه: اللغة الصحيحة، والثقة المحسوبة، والمواقف النبيلة، والإجابات الجاهزة، والصورة المصقولة التي تبدو كأنها خرجت تامة من مصنع لا يعرف الارتباك.
وتنظر إليها فترى صلابة.
لكن العين لا تستطيع، من الخارج، أن تعرف دائمًا إن كانت أمام صخر أم أمام بلورة ملح.
ليس العيب أن يعيش الإنسان حياة سهلة، وليس الألم شهادة تمنح صاحبها عمقًا تلقائيًا.
كم من ألم لم يصنع إلا مزيدًا من القسوة، وكم من إنسان لم يحتج إلى كارثة كي يصبح ناضجًا.
لكن الشخصية لا تُبنى بالشعارات والصورة العامة وحدهما.
تحتاج إلى خبرة، ومسؤولية، واختيارات صغيرة تتراكم ببطء، وإلى ذلك الاحتكاك بالحياة الذي يعلّم الإنسان أن الكلمة التي يقولها وهو آمن تختلف تمامًا عن الكلمة نفسها حين يصبح لها ثمن.
وأحيانًا تترك هذه الخبرة ندوبها المحترمة على الروح.
لا لأنها جعلتنا نتألم، بل لأنها تذكرنا بأن بعض ما نحمله داخلنا دُفع ثمنه فعلًا، ولم نشتره جاهزًا من سوق الكلمات.
حين يأتي المطر
ثم تأتي لحظة الاختبار.
يأتي المطر.
والمطر هنا ليس حزنًا رومانسيًا ولا خيبة عابرة.
إنه الحياة حين تتوقف عن الاستماع إلى ما نقوله عن أنفسنا، وتطلب أن ترى ما نحن مستعدون إلى فعله.
قد يكون أزمةً لا يمكن تأجيلها، أو خسارة تكشف ما كنا نضع عليه معنى حياتنا، أو مسؤولية ثقيلة لم نطلبها، أو موقفًا أخلاقيًا تصبح فيه المصلحة في ناحية والمبدأ الذي تغنينا به طويلًا في الناحية الأخرى.
قد يكون شخصًا يحتاج إلينا في توقيت سيئ.
وقد يكون اعتذارًا سيكلفنا كبرياءنا.
أو كلمة حق نفقد بسببها شيئًا نحبه.
أو سلطة صغيرة تصل إلى أيدينا، فنعرف عندها إن كنا نكره الظلم حقًا أم كنا فقط نكره أن يقع علينا.
في الأيام الهادئة تبدو مواد البناء كلها متشابهة.
الجدار المطلي جيدًا لا يخبرك بما في داخله.
لكن الماء يفعل.
وهنا تقع فاجعة «نفوس الملح».
ليس لأنها تخاف أو تتردد؛ فالخوف والتردد إنسانيان.
بل لأنها تكتشف أن المبادئ التي بدت جزءًا من تكوينها لم تكن، في الحقيقة، إلا زينة خارجية صالحة ما دامت مجانية.
وحين تصبح لها فاتورة، تبدأ في الذوبان.
تتراجع الكلمات الكبيرة واحدةً بعد أخرى، وتتحول القناعات المرنة فجأة إلى تبريرات، وتذوب المبادئ في وحل المصلحة الشخصية والنجاة الفردية.
ليس المقصود أن من اختار نفسه في كل أزمة قد خان الإنسانية؛ للإنسان حق في النجاة وحدود في الاحتمال.
إنما الحديث عن ذلك التناقض الأكثر قسوة: أن تقضي عمرك تعلن قيمة ما، ثم تتبرأ منها فورًا في أول مرة تطلب منك شيئًا.
هناك فرق بين إنسان عجز عن حمل العبء، وإنسان اكتشفنا أن العبء لم يكن يومًا جزءًا من بنائه أصلًا.
الأول قد ينكسر.
أما الثاني فيذوب.
وفي الحالتين قد يبدو المشهد واحدًا من بعيد، لكن الفرق في الداخل هائل.
في قراءة أخرى على حكايات جوكر، تكشف رواية «العمى» لجوزيه ساراماغو شيئًا قريبًا من هذه الفكرة: حين تسقط القشرة المنظمة للحياة، لا تصنع الأزمة الإنسان من الصفر بقدر ما تكشف كثيرًا مما كان مستترًا فيه.
المشكلة ليست في الزوال وحده
الفكرة التي تستفزني في استعارة منيف ليست مجرد احتمال أن يزول البناء.
كل شيء يزول في النهاية.
المدن نفسها تتغير، والحضارات تنتهي، والإنسان لا يملك عقدًا أبديًا مع شيء.
السؤال الأكثر إزعاجًا هو:
ما قيمة بناء بدأ هشًا من الأصل، لكنه قضى سنواته كلها في إتقان مظهر الصلابة؟
وهنا يصبح البريق نفسه موضع شك.
نحن نعيش في عصر يكافئ الواجهة بسرعة.
من السهل أن تبدو ناجحًا قبل أن تعرف ماذا يعني النجاح لك.
وأن تتحدث عن النضج قبل أن تختبر مسؤولية حقيقية.
وأن تصنع لنفسك لغة أخلاقية كاملة، ثم تستخدمها في الأيام التي لا تطلب منك تضحية واحدة.
بل إن العالم الحديث يمنحنا أدوات غير مسبوقة لبناء النسخة التي نريد أن يراها الآخرون، حتى يصبح الاهتمام بالصورة أحيانًا أسرع من الاهتمام بالمادة التي صُنعت منها الشخصية نفسها.
ولست أكتب هذا من برج صخري أنظر منه إلى المذابين في الأسفل.
الخوف الحقيقي أن يكون في كل واحد منا قدر من الملح.
أن تكون هناك منطقة لم نختبرها بعد، ومبدأ لم تصل فاتورته، وصورة جميلة عن أنفسنا لم تدخل غرفة الامتحان.
لهذا لا تثير «نفوس الملح» فيّ الاحتقار بقدر ما تثير الخوف.
الخوف علينا نحن.
البناء الذي لا يذوب
الملح مغرٍ.
لامع، ونظيف، ويتشكل بسرعة، ويعطيك هيئة البناء قبل أن تنفق العمر اللازم لبناء شيء يحتمل.
أما طين الأرض وصخورها فلا يقدمان هذا الإغراء.
البناء بهما أبطأ.
تتسخ اليدان.
ويخطئ البنّاء، فيهدم جزءًا ويعيده.
ولا يبدو الجدار في مراحله الأولى مثيرًا للإعجاب.
لكن هناك أشياء لا يمكن استعجالها دون أن ندفع الثمن لاحقًا.
الثقة واحدة منها.
والضمير.
والقدرة على الوفاء.
والتواضع الذي يجعل الإنسان يراجع نفسه.
والشجاعة التي لا تظهر في الكلمات، بل في اللحظة التي يعرف فيها صاحبها أنه سيخسر شيئًا إذا تمسك بما يؤمن به.
هذه الأشياء لا تعطي بريقًا سريعًا.
إنها أقرب إلى الطين والصخر: ثقيلة، بطيئة، وغير صالحة للعرض قبل اكتمالها.
لكنها حين يأتي المطر لا تحتاج إلى أن تشرح لماذا لم تذب.
وجودها هو الإجابة.
أن نخشى الملح فينا
نمضي في طريقنا إذن، ولا أعرف إن كان الأصعب أن نشاهد قلاع الملح البشرية وهي تتهاوى أمامنا، أم أن نكتشف ذات يوم أن جزءًا من القلعة كان قائمًا داخلنا.
ربما لهذا بقي عنوان منيف عالقًا في ذهني.
لأن الاستعارات العظيمة لا تتوقف عند الباب الذي وضعها الكاتب خلفه.
تخرج من الكتاب، وتلحق بك إلى الشارع، وإلى العمل، وإلى الصداقة، وإلى المرآة.
فنحتضن ما تبقى فينا من طين الأرض وصخورها؛ ذلك الجزء البطيء، غير البراق، الذي احتاج عمرًا من الخطأ والمراجعة والمسؤولية كي يتكون.
وندعو الله، في ليالينا الموحشة، ألا يصبح اهتمامنا بالصورة أكبر من اهتمامنا بالمادة التي صُنعت منها أرواحنا.
ألا نصير يومًا نسخًا براقة، خاوية، ومحكومًا عليها بالذوبان مع أول هطول للحقيقة.

COMMENTS