نملأ أيامنا بالمواعيد والضوضاء والوجوه، لكن هل نحن مشغولون فعلًا أم نهرب من أنفسنا؟ تأمل في الهروب من الذات والخوف من الصمت وأهمية أن نعود إلى أنفسنا.
![]() |
| قد نملأ العالم بالضجيج كله، فقط كي لا نسمع ذلك الصوت القادم من الداخل |
نركض طيلة الوقت.
نكدّس جداولنا بالمواعيد، ونحيط أنفسنا بوجوه قد لا نكترث لها حقًا، ونغرق في تفاصيل يومية مرهقة، ثم ننظر إلى كل هذا الزحام باعتباره دليلًا على أننا نعيش حياة ممتلئة.
نجيب عن الرسائل.
ننتقل من اجتماع إلى آخر.
نفتح الهاتف في اللحظة التي نصعد فيها إلى المصعد، ونبحث عن شيء نشاهده أثناء تناول الطعام، ونضع سماعة في آذاننا ونحن نسير وحدنا.
وكأن الصمت خطأ تقني يجب إصلاحه فورًا.
نقول لأنفسنا إننا مشغولون.
وإن الحياة سريعة.
وإنه لا يوجد وقت.
لكن ربما يكون بعض هذا الركض مجرد نسخة حديثة من واحدة من أقدم الحيل التي عرفها الإنسان:
الهروب.
الهروب من ماذا؟
من أنفسنا، بالطبع.
الغربة التي لا تحتاج إلى سفر
أقسى أنواع الغربة يا صديقي لا علاقة لها بالمطارات، ولا بتذاكر السفر، ولا بمدينة بعيدة لا يعرف فيها أحد اسمك.
هناك غربة أكثر هدوءًا.
وأكثر قسوة.
تلك المسافة التي تتسع ببطء بينك وبين نفسك.
أن تعرف مواعيد الجميع ولا تعرف ماذا تريد.
أن تستطيع أن تشرح مشروعك القادم في عشر دقائق، لكنك تتلعثم إذا سألك أحدهم:
هل أنت سعيد فعلًا؟
أن تمتلئ قائمة اتصالاتك بالأسماء، بينما يصبح الحوار بينك وبين ذاتك أكثر ندرة عامًا بعد آخر.
الغريب أنك قد لا تشعر بهذه المسافة ما دمت تتحرك.
فالضجيج يؤدي وظيفته ببراعة.
المواعيد تمنع الأسئلة.
والشاشات تملأ الفراغ.
والناس يمنحونك مؤقتًا فرصة ألا تكون وحدك مع ذلك الشخص الذي تعرفه أكثر من أي إنسان آخر، ومع ذلك قضيت سنوات في تجنب لقائه.
أنت.
هل نحن مشغولون فعلًا.. أم نهرب؟
ليس كل انشغال هروبًا بالطبع.
هناك عمل يجب إنجازه، وأطفال يجب الاعتناء بهم، وفواتير لا تختفي بالتأمل الفلسفي، وأيام تفرض علينا إيقاعًا لم نختره بالكامل.
لكن هناك فرقًا بين أن تكون حياتك مزدحمة، وبين أن تحتاج دائمًا إلى إبقائها مزدحمة.
الفرق يظهر في اللحظة التي يختفي فيها كل شيء.
ماذا تفعل عندما لا يوجد أحد لتتحدث إليه؟
عندما تنتهي الحلقة ولا تبدأ التالية تلقائيًا؟
عندما تضع هاتفك بعيدًا ولا يصل إشعار جديد؟
هل تشعر بالراحة؟
أم يبدأ شيء داخلك في المطالبة بأي صوت، بأي شاشة، بأي مهمة، بأي شخص، فقط لكي لا يبقى المكان هادئًا؟
في علم النفس يوجد مفهوم يُسمى التجنب التجريبي – Experiential Avoidance.
والفكرة ببساطة أن الإنسان قد يحاول أحيانًا الهروب من أفكار أو مشاعر أو ذكريات داخلية مزعجة، ليس بحلّها وإنما بالانشغال بعيدًا عنها.
المشكلة ليست في أن تشتت نفسك لبعض الوقت؛ كلنا نفعل ذلك.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الهروب هو الطريقة الوحيدة التي تعرفها للتعامل مع ما يحدث داخلك.
حينها يمكن أن تمتلئ حياتك بالأشياء، بينما يظل الشيء الذي تهرب منه جالسًا في مكانه ينتظرك.
لماذا يخيفنا الصمت؟
لأن الصمت لا يقدم لك محتوى.
بل يعيد إليك محتواك أنت.
وحين يهدأ الخارج، يرتفع صوت الداخل.
أسئلة أجّلناها طويلًا.
قرارات نعرف أننا لم نتخذها.
علاقات انتهت منذ زمن لكننا ما زلنا نجرها معنا.
أشياء فعلناها ولا نحب الاعتراف بها.
وأشياء كان يجب أن نفعلها ولم نفعل.
ربما لهذا نخاف أحيانًا من تلك الغرفة الصامتة.
ليس لأنها فارغة.
بل لأنها ممتلئة بنا.
تجلس وحدك، ثم يأتي ذلك الصوت الخافت الذي استطعت إسكاتَه طوال اليوم.
من نحن؟
وماذا فعلتَ بنا؟
وهذان السؤالان أثقل من مئة موعد.
الوحدة ليست هي العزلة
من المهم هنا ألا نخلط بين شيئين مختلفين.
أن تكون وحدك لا يعني بالضرورة أن تكون وحيدًا.
العزلة المؤلمة شعور بالانفصال والحاجة إلى قرب لا نجده.
أما قضاء بعض الوقت منفردًا فقد يكون تجربة مختلفة تمامًا.
تشير أبحاث نفسية إلى أن تجربة الإنسان للوقت الذي يقضيه وحده ليست سلبية بالضرورة؛ فقد تحمل الهدوء والاسترخاء، كما أن الطريقة التي ننظر بها إلى العزلة الاختيارية يمكن أن تؤثر في شعورنا أثناءها.
بمعنى آخر:
قد تكون الغرفة نفسها سجنًا لشخص، ومساحة للتنفس لشخص آخر.
والفارق ليس دائمًا في الغرفة.
أحيانًا يكون في علاقتك بالشخص الموجود داخلها معك.
وأنت، في هذه الحالة، ذلك الشخص.
الانشغال يمكن أن يمنحنا وهم الأهمية
للزحام ميزة أخرى.
إنه يجعلنا نشعر بأننا مهمون.
كلما امتلأ الجدول، بدا لنا أننا مطلوبون أكثر.
وكلما زادت الرسائل، شعرنا أن غيابنا سيُلاحظ.
وحين نقول «أنا مشغول جدًا»، قد لا تكون الجملة مجرد وصف لليوم.
أحيانًا تصبح شهادة نثبت بها لأنفسنا أن حياتنا ذات قيمة.
لكن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد المربعات الملونة في تقويمه.
ولا بعدد المحادثات المفتوحة على هاتفه.
ولا بسرعة انتقاله من مكان إلى آخر.
يمكن لإنسان أن ينجز عشرين مهمة في يوم واحد، ثم يعود إلى فراشه من دون أن يكون قد اقترب خطوة واحدة مما يعنيه له أن يعيش.
وهذه إحدى أكثر مفارقات عصرنا غرابة:
يمكن أن تكون شديد الحركة، ومع ذلك لا تذهب إلى أي مكان.
وفي نهاية المضمار ستجد شخصًا واحدًا
المأساة الساخرة في هذا المضمار الطويل أنك مهما ركضت، ومهما اختلقت من أشغال، ومهما جعلت العالم مزدحمًا حولك، ستأتي لحظات تتوقف فيها الضوضاء رغمًا عنك.
رحلة تنتهي.
علاقة تنسحب.
عمل يتوقف.
أصدقاء ينشغلون.
أطفال يكبرون.
هاتف يصمت.
ولن تجد في انتظارك هناك سوى شخص واحد.
أنت.
الشخص نفسه الذي كان يجري معك طوال الطريق.
لم يختفِ لأنك تجاهلته.
ولم يصبح أكثر هدوءًا لأنك رفعت صوت العالم.
كان فقط ينتظر.
العودة إلى نفسك لا تعني الانسحاب من العالم
ليس المطلوب أن تهجر الناس.
ولا أن تترك عملك وتسافر إلى جبل.
ولا أن تحول الوحدة إلى فضيلة مطلقة.
نحن كائنات اجتماعية، والآخرون جزء أساسي من حياتنا.
لكن هناك فرقًا بين أن تحب وجود الآخرين، وبين أن تحتاج وجودهم باستمرار حتى لا تضطر إلى مواجهة نفسك.
أن تعود إلى نفسك يعني أن تستطيع البقاء معها قليلًا دون أن تشعر أنك محاصر.
أن تعرف ما الذي يؤلمها.
وما الذي تريده.
وما الذي تفعله فقط لأن الجميع يفعلونه.
وما الذي انتهى في حياتك لكنك لم تجد بعد الشجاعة لإعلان نهايته.
وما الذي تتمنى أن تبدأه لكنك تختبئ خلف جملة:
«ليس لدي وقت.»
جرّب ألا تهرب هذه المرة
في المرة القادمة التي تجد فيها عشر دقائق فارغة، قاوم الرغبة في قتلها فورًا.
لا تمد يدك إلى الهاتف تلقائيًا.
لا تبحث عن فيديو.
لا تفتح محادثة لا تريدها لمجرد أن الصمت أزعجك.
اجلس.
دع العالم يستمر عشر دقائق من دون مشاركتك.
ولا تحاول أن تحول اللحظة إلى جلسة تطوير ذات أو تمرين إنتاجية جديد.
فقط لاحظ ماذا يحدث عندما لا يوجد شيء بينك وبينك.
قد تشعر بالملل.
قد تتوتر.
وقد تظهر أسئلة كنت تفضّل ألا تظهر.
لا بأس.
ليس عليك الإجابة عن كل شيء في جلسة واحدة.
المطلوب فقط أن تتوقف عن الفرار كلما سمعت صوتك.
ستعود إليك في النهاية
لن تجد السكينة في ضجيج العالم وحده.
ولن ينجيك الركض المستمر من كل ما تحمله داخلك.
يمكنك أن تغير المدينة.
وأن تغير العمل.
وأن تغير الدائرة المحيطة بك.
وأن تملأ يومك حتى آخر دقيقة.
لكن هناك رفيقًا واحدًا سيحصل دائمًا على تذكرة في كل رحلة.
أنت.
لذلك ربما لا يكون الأمان في أن تركض أسرع.
ربما يكون في أن تتوقف عن اللهاث للحظة.
أن تعود إلى نفسك.
ثم تجلس بجوارها، ولو لمرة واحدة، من دون أن تحاول إصلاحها، أو تسكيتها، أو الفرار منها.
لأنك مهما ابتعدت، فإن نهاية كل طرق الهروب تؤدي في النهاية إلى الشخص الذي بدأت الهرب منه.
مراجع للاستزادة
- Hayes وآخرون – نموذج المرونة النفسية والتجنب التجريبي: يتناول مفهوم محاولة تجنب الخبرات الداخلية غير المرغوبة، وعلاقة ذلك بالمرونة النفسية والسلوك المتوافق مع قيم الإنسان.
- Nguyen وآخرون – أبحاث العزلة والوقت المنفرد: تناقش كيف يمكن للعزلة الاختيارية أن تحمل مشاعر مختلفة، من القلق والوحدة إلى الهدوء والاسترخاء، بحسب السياق وطريقة تفسير التجربة.
هذا المقال تأمل في بعض صور الهروب والانشغال في الحياة اليومية، وليس تشخيصًا نفسيًا؛ فالحاجة إلى النشاط أو التواصل الاجتماعي تختلف بصورة طبيعية من شخص إلى آخر.

COMMENTS