لماذا رفض مارلون براندو أوسكار أفضل ممثل عن «العراب» عام 1973؟ القصة الحقيقية لظهور ساشين ليتلفيذر واحتجاجه على صورة السكان الأصليين في هوليوود.
في 27 مارس 1973 أُعلن اسم مارلون براندو فائزًا بجائزة الأوسكار لأفضل ممثل عن شخصية دون فيتو كورليوني في «العراب».
لكن براندو لم يكن في القاعة.
وعندما تقدم روجر مور ليمد التمثال الذهبي إلى المرأة التي صعدت بدلًا منه، رفعت يدها ورفضت استلامه.
خلال أقل من دقيقة تحولت لحظة يفترض أن تكون تتويجًا لواحد من أشهر أدوار براندو إلى واحدة من أكثر لحظات الأوسكار إثارة للجدل.
|
| رفضٌ حوّل لحظة الفوز إلى احتجاج أمام ملايين المشاهدين. |
«العراب» وعودة مارلون براندو
عُرض The Godfather عام 1972، مقتبسًا من رواية ماريو بوزو الصادرة عام 1969، وأخرجه فرانسيس فورد كوبولا الذي شارك بوزو في كتابة السيناريو.
ضم الفيلم آل باتشينو، وجيمس كان، وروبرت دوفال، وجون كازال، إلى جانب مارلون براندو في شخصية دون فيتو كورليوني.
كان الدور محطة فارقة في مسيرة براندو، وأصبح أداؤه واحدًا من أكثر الأدوار ارتباطًا باسمه.
فاز «العراب» في حفل الأوسكار الخامس والأربعين بثلاث جوائز رئيسية: أفضل فيلم، وأفضل ممثل لمارلون براندو، وأفضل سيناريو مقتبس لماريو بوزو وفرانسيس فورد كوبولا.
لكن الجائزة التي كان يفترض أن تعيد براندو إلى منصة الأوسكار لم تصل إلى يده.
لماذا رفض مارلون براندو الأوسكار؟
كان براندو يحتج على طريقة تصوير السكان الأصليين في السينما والتلفزيون الأمريكيين، وعلى معاملتهم خارج الشاشة أيضًا.
وجاء الموقف في وقت كانت فيه أحداث Wounded Knee في ولاية ساوث داكوتا حاضرة بقوة في الولايات المتحدة عام 1973، بعد سيطرة ناشطين من السكان الأصليين على الموقع في مواجهة استمرت أسابيع مع السلطات الفيدرالية.
لذلك قرر براندو ألا يحضر حفل الأوسكار، وأرسل ساشين ليتلفيذر لتمثله.
لم يكن اعتراضه على فيلم «العراب»، ولا على الأكاديمية بسبب عدم تقديره فنيًا.
كان يريد استخدام اللحظة التي سيشاهده فيها ملايين الأشخاص لتوجيه الانتباه إلى قضية مختلفة تمامًا عن السينما التي فاز بسببها.
من هي ساشين ليتلفيذر؟
كانت ساشين ليتلفيذر ممثلة وناشطة، وظهرت على المسرح باسمها الذي عُرفت به علنًا، وقدمت نفسها أمام الجمهور باعتبارها من الأباتشي ورئيسة اللجنة الوطنية للصورة الإيجابية للأمريكيين الأصليين.
حين نادى مقدما الجائزة روجر مور وليف أولمان اسم مارلون براندو، صعدت ليتلفيذر إلى المسرح.
مد روجر مور نحوها تمثال الأوسكار.
لكنها رفعت يدها في إشارة واضحة إلى أنها لن تقبله.
ما الذي قالته على المسرح فعلًا؟
من أكثر التفاصيل التي تتكرر بصورة غير دقيقة أن ساشين صعدت و«قرأت خطاب مارلون براندو».
الحقيقة أنها لم تقرأ الخطاب الكامل.
كان براندو قد أعد بيانًا طويلًا، لكن الوقت المسموح لها على المسرح كان قصيرًا للغاية، لذلك قدمت خلال نحو 60 ثانية خلاصة الموقف.
قالت إن براندو لا يستطيع قبول الجائزة بسبب معاملة السكان الأصليين في صناعة السينما والتلفزيون، وأشارت كذلك إلى الأحداث الجارية آنذاك في Wounded Knee.
أما بيان براندو الأطول، فقد أُتيح للصحافة بعد ذلك.
وبهذا لم تتحول المنصة إلى خطاب مطول، لكنها تحولت بالتأكيد إلى لحظة لم تكن الأكاديمية أو الجمهور يتوقعانها.
كيف استقبل الجمهور موقف ساشين؟
لم يكن رد فعل القاعة موحدًا.
سمع تصفيق، وفي الوقت نفسه ظهرت أصوات استهجان واعتراض من أجزاء من الجمهور.
وأصبحت الصورة الشهيرة لساشين وهي ترفض أخذ التمثال من روجر مور واحدة من الصور الأكثر ارتباطًا بتاريخ حفل الأوسكار.
بعد ذلك تحدثت ليتلفيذر عن تعرضها لهجوم شخصي ومهني بسبب ظهورها في الحفل، وهي معاملة ستعود الأكاديمية نفسها بعد عقود لتناقشها علنًا.
هل كانت هذه أول جائزة أوسكار لمارلون براندو؟
لا.
كانت جائزة «العراب» هي الأوسكار الثاني في مسيرته.
فقد فاز قبل ذلك بجائزة أفضل ممثل عن فيلم On the Waterfront الصادر عام 1954، وتسلم الجائزة في حفل الأوسكار الذي أقيم عام 1955.
الاختلاف أن براندو هذه المرة لم يرفض مجرد الحضور، بل رفض الجائزة نفسها بوصف ذلك جزءًا من احتجاج علني.
بعد 49 عامًا.. الأكاديمية تعتذر
لم تنته قصة تلك الليلة عام 1973.
في يونيو 2022 قدمت أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة اعتذارًا رسميًا إلى ساشين ليتلفيذر عن المعاملة والإساءات التي تعرضت لها عقب ظهورها في الحفل.
وفي سبتمبر من العام نفسه استضاف متحف الأكاديمية فعالية خاصة معها لمناقشة ما حدث وإرث تلك اللحظة.
وصفت الأكاديمية ظهورها بأنه موقف لفت الانتباه إلى سوء تمثيل ومعاملة السكان الأصليين في صناعة السينما، واعترفت بأن الإساءة التي تعرضت لها بعد ذلك كانت غير مبررة.
بعد نحو نصف قرن، عادت المؤسسة نفسها إلى واحدة من أشهر لحظاتها لتقرأها بصورة مختلفة.
لماذا بقي رفض براندو للأوسكار في الذاكرة؟
ليس لأن مارلون براندو كان أول فنان يرفض جائزة، ولا لأن الوقوف على منصة الأوسكار يجعل أي موقف صحيحًا تلقائيًا.
قيمة اللحظة تاريخيًا في شيء آخر.
براندو كان قد فاز للتو بأكبر جائزة تمثيل تمنحها هوليوود، عن أحد أشهر الأفلام في تاريخها، واختار ألا يستخدم اللحظة للاحتفال بنفسه.
وبدلًا من ذلك، جعل الجائزة نفسها وسيلة لجذب الانتباه إلى قضية أراد إثارتها.
يمكن الاختلاف حول الأسلوب أو حول مواقف براندو الأخرى، لكن واقعة 1973 بقيت لأنها كسرت السيناريو المعتاد للحفل بصورة لم يكن من السهل نسيانها.
وهذا أيضًا ما يجعلها مختلفة عن مجرد خطاب سياسي داخل حفل جوائز: التمثال نفسه هو الذي رُفض.
«العراب» والأوسكار بعد أكثر من نصف قرن
بقي «العراب» أحد أشهر أفلام السينما الأمريكية، وبقي أداء براندو لدون فيتو كورليوني أحد أكثر أدواره شهرة.
لكن عندما تُذكر جائزة أفضل ممثل التي حصل عليها عن الفيلم، غالبًا ما تأتي معها صورة امرأة تقف أمام روجر مور وترفض مد يدها إلى التمثال.
ولهذا تحمل القصة مفارقة غريبة:
مارلون براندو فاز بالأوسكار، لكن رفضه للجائزة أصبح أشهر من لحظة فوزه بها.
ولمن يريد قراءة قصة أخرى عن علاقة فيلم كبير بجوائز الأكاديمية، يمكن متابعة لماذا خسر «الخلاص من شاوشانك» كل جوائز الأوسكار؟
COMMENTS