لماذا وضع مايكل هارت النبي محمد ﷺ في المرتبة الأولى بكتاب «المائة»؟ شرح لمعيار التأثير الذي استخدمه، ولماذا سبقه على نيوتن والمسيح في قائمته.
![]() |
| وضع مايكل هارت محمدًا ﷺ أولًا وفق معيار التأثير التاريخي. |
حين نشر مايكل هارت كتابه The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History عام 1978، لم يكن أكثر ما أثار الجدل أنه حاول ترتيب مائة شخصية أثرت في التاريخ، بل الاسم الذي وضعه في المرتبة الأولى: النبي محمد ﷺ.
لم يضع هارت نيوتن أولًا، رغم التأثير الهائل للفيزياء الحديثة. ولم يضع المسيح عليه السلام أولًا، رغم الانتشار العالمي للمسيحية.
واختياره هذا لا يعني أن مؤلف الكتاب أصدر حكمًا دينيًا أو أخلاقيًا على «أفضل إنسان في التاريخ».
السؤال الذي كان يحاول الإجابة عنه مختلف تمامًا:
أي شخص ترك، بحسب تقديره، أكبر تأثير مباشر ومستمر في مسار التاريخ؟
ما كتاب «المائة» لمايكل هارت؟
مايكل هارت مؤلف وعالم فيزياء فلكية أمريكي، نشر الطبعة الأولى من كتابه عام 1978، ثم صدرت نسخة منقحة عام 1992.
عنوان الكتاب الأصلي يعني حرفيًا تقريبًا: «المائة: ترتيب أكثر الشخصيات تأثيرًا في التاريخ».
وهذه نقطة أساسية لفهم القائمة كلها.
هارت لم يقل إنه يرتب أكثر البشر صلاحًا، أو حكمة، أو رحمة، أو عبقرية. معياره المعلن هو حجم التأثير التاريخي.
لهذا تضم قائمته علماء ومخترعين وقادة دينيين وسياسيين وشخصيات ترك بعضها أثرًا إيجابيًا وبعضها ترك آثارًا كارثية.
واشتهر الكتاب عربيًا بصورة خاصة من خلال ترجمة أنيس منصور التي حملت عنوان «الخالدون مائة.. أعظمهم محمد رسول الله ﷺ»، وهو عنوان أكثر تقريرية من العنوان الإنجليزي الأصلي.
يمكن الاطلاع على الصفحة المرجعية لسلسلة الخالدون مائة لفهم منهج القائمة وترتيب الشخصيات التي تناولناها على حكايات جوكر.
لماذا وضع مايكل هارت محمدًا ﷺ في المرتبة الأولى؟
حجة هارت الأساسية تقوم على اجتماع نوعين من التأثير في شخصية واحدة.
فهو يرى أن النبي محمد ﷺ كان صاحب الدور المركزي في تأسيس الإسلام ونشره وتحديد كثير من ملامحه الدينية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه كان قائدًا للمجتمع الذي نشأ حول الدعوة في المدينة.
أي أن أثره، وفق قراءة هارت، لم يكن دينيًا فقط.
كان هناك أيضًا أثر سياسي واجتماعي وتاريخي مباشر خلال حياته.
وهذه الثنائية هي التي أعطاها هارت وزنًا استثنائيًا في ترتيبه.
فالرسالة الإسلامية ارتبطت بالنبي محمد ﷺ، وكذلك تأسيس المجتمع الإسلامي الأول في المدينة، وتنظيم العلاقات داخله، ثم التحولات السياسية التي شهدتها الجزيرة العربية في السنوات الأخيرة من حياته.
وبعد وفاته سنة 632م استمر الدين الذي دعا إليه في الانتشار خارج الجزيرة، وأصبح لاحقًا أحد أكبر الأديان في العالم.
هارت لا يتحدث عن «من هو الأفضل؟»
كثير من النقاشات العربية حول الكتاب تبدأ من سؤال لم يكن هو السؤال الأصلي للمؤلف:
من أعظم إنسان في التاريخ؟
لكن كلمة «الأعظم» تحمل حكمًا أخلاقيًا وقيميًا ودينيًا أوسع بكثير من معيار الكتاب.
هارت يحاول قياس التأثير.
وقد يكون الإنسان مؤثرًا للغاية دون أن يعتبره القارئ عظيمًا أخلاقيًا، وهو ما يفسر وجود شخصيات شديدة الجدل في القائمة.
لذلك فالأدق عند قراءة ترتيب النبي محمد ﷺ أن نقول:
مايكل هارت اعتبره الشخصية الأكثر تأثيرًا في التاريخ وفق المعايير التي وضعها لكتابه.
وهذا يختلف عن تحويل القائمة إلى تصنيف ديني أو حكم نهائي على قيمة البشر.
الدور الديني في حسابات مايكل هارت
أحد أسباب اختيار هارت يتعلق بمدى ارتباط الإسلام بشخصية النبي محمد ﷺ نفسها.
فالقرآن نُقل عن النبي بوصفه الوحي الذي تلقاه خلال سنوات الدعوة، وحُفظ وتدوّنت أجزاء منه في حياته، ثم جُمعت المصاحف في المرحلة التي تلت وفاته.
كما ترجع السنة النبوية والتراث المتعلق بأقواله وأفعاله إلى موقعه المركزي في الدين الإسلامي.
من هنا رأى هارت أن مقدار التأثير الشخصي لمحمد في تشكيل الدين الذي حمله أتباعه بعده كان كبيرًا بصورة استثنائية.
لكن هذه النقطة يجب أن تُفهم في إطار تحليل المؤلف للتأثير التاريخي، لا بوصفها تقييمًا عقديًا يصدره الكتاب.
الدور السياسي: الجزء الثاني من حجة هارت
الشق الثاني من تفسيره هو القيادة السياسية.
فالنبي محمد ﷺ لم يكن فقط صاحب دعوة دينية، بل أصبح بعد الهجرة إلى المدينة قائدًا للمجتمع المسلم الناشئ.
شهدت السنوات التالية تحالفات وصراعات واتفاقات سياسية وعسكرية، وانتهت حياته وقد أصبحت مكة والمدينة ومساحات واسعة من الجزيرة مرتبطة بالنظام السياسي والديني الجديد بدرجات مختلفة.
لهذا يرى هارت أن أثر محمد التاريخي جاء من التقاء مسارين عادة ما يرتبط كل منهما بشخصيات مختلفة:
- تأسيس حركة دينية عالمية.
- القيادة السياسية والاجتماعية للمجتمع الذي نشأ حولها.
وهذه تحديدًا هي النقطة التي جعلته يضع محمد ﷺ قبل بقية الشخصيات في قائمته.
لماذا وضع نيوتن في المركز الثاني؟
اختيار إسحاق نيوتن في المرتبة الثانية يوضح طريقة تفكير هارت.
نيوتن غيّر الفيزياء والرياضيات وعلم الفلك، وأعماله في قوانين الحركة والجاذبية كان لها تأثير يصعب المبالغة فيه على تطور العلم والتكنولوجيا.
لكن هارت قدر أن التأثير المجمع لمحمد ﷺ في الدين والتاريخ السياسي والاجتماعي كان أوسع من تأثير نيوتن العلمي، ولذلك وضع الأول في المرتبة الأولى والثاني خلفه.
هذا ترتيب المؤلف بالطبع، وليس نتيجة علمية يمكن قياسها بمعادلة موضوعية.
ولماذا جاء المسيح عليه السلام ثالثًا؟
هنا يظهر أكثر أجزاء حجة مايكل هارت إثارة للجدل.
المسيحية تركت أثرًا هائلًا في التاريخ العالمي، ولذلك قد يبدو طبيعيًا أن يكون المسيح عليه السلام في المرتبة الأولى أو الثانية.
لكن هارت اعتبر أن التأثير التاريخي على المسيحية لا يمكن، وفق تحليله، نسبته إلى المسيح وحده.
فهو يمنح بولس الرسول دورًا كبيرًا في نشر المسيحية بين غير اليهود وفي تشكيل أجزاء مهمة من الفكر المسيحي المبكر.
وبالتالي قسم هارت جزءًا من التأثير التاريخي للمسيحية بين شخصيتين مختلفتين: المسيح وبولس.
ولهذا وضع المسيح عليه السلام في المرتبة الثالثة، بينما وضع بولس في المرتبة السادسة.
هذا التفسير هو رأي مايكل هارت ومنهجه في توزيع التأثير، وليس حكمًا متفقًا عليه بين مؤرخي المسيحية أو رجال الدين.
هل تغير المركز الأول في الطبعة المنقحة؟
لا.
عندما أصدر هارت النسخة المنقحة من الكتاب عام 1992، غيّر مواقع عدد من الشخصيات وأضاف تعديلات على قائمته، لكن محمد ﷺ بقي في المركز الأول.
ومن هنا لم يكن الاختيار مجرد مفاجأة مرتبطة بالطبعة الأولى، بل ظل جزءًا أساسيًا من بناء الكتاب بعد مراجعته.
ما الذي يحتاج إلى الحذر عند قراءة «الخالدون مائة»؟
المشكلة تبدأ عندما يتحول ترتيب هارت من تجربة فكرية ذات معايير وضعها مؤلف واحد إلى حقيقة مطلقة.
لا توجد وحدة قياس موضوعية تسمح بوضع تأثير نبي إلى جانب تأثير فيزيائي أو مخترع أو قائد سياسي وإخراج رقم نهائي لا يمكن الاعتراض عليه.
كيف نقارن مثلًا بين أثر الدين وأثر اكتشاف علمي؟
وكيف نوزن تأثير شخص مباشرًا مقابل تأثير ملايين البشر الذين طوروا أفكاره بعد وفاته؟
هذه أسئلة لا تملك إجابات حسابية.
ولهذا يمكن قراءة الكتاب بصورة أفضل عندما نتعامل معه باعتباره حجة تاريخية قابلة للنقاش، لا جدول ترتيب رسمي للبشرية.
هل كان اختيار محمد ﷺ مفاجئًا؟
نعم، وقد أدرك هارت نفسه أن وضع محمد ﷺ أولًا قد يفاجئ بعض قرائه.
لكن المفاجأة كانت جزءًا من قيمة الكتاب وانتشاره.
فهو يجبر القارئ على التفكير في معنى كلمة «تأثير» نفسها.
إذا كان التأثير هو عدد الأشخاص الذين تأثروا بشخص ما فقط، ستخرج قائمة.
وإذا كان هو عدد الاختراعات أو الأفكار، ستخرج قائمة أخرى.
وإذا جمعنا الدين والسياسة والعلم وانتشار الأفكار واستمرارها عبر القرون، تصبح المقارنة أكثر تعقيدًا بكثير.
مايكل هارت وضع معاييره ثم دافع عن النتيجة التي وصل إليها.
ويمكن للقارئ أن يوافقه أو يعترض عليه، لكن من المهم أولًا أن يناقش المعيار الذي استخدمه فعلًا، لا معيارًا آخر لم يكن الكتاب يحاول الإجابة عنه.
لماذا بقي هذا الفصل من أشهر أجزاء الكتاب عربيًا؟
من الطبيعي أن يجذب اختيار النبي محمد ﷺ في المركز الأول اهتمام القارئ العربي والمسلم.
وساعد عنوان ترجمة أنيس منصور «الخالدون مائة.. أعظمهم محمد رسول الله ﷺ» على جعل هذه النتيجة هي الوجه الأشهر للكتاب في الثقافة العربية.
لكن قراءة الفصل في سياق الكتاب كله أكثر فائدة من الاكتفاء بالمركز الأول.
فالكتاب في النهاية تجربة في تفسير التاريخ من خلال الأفراد ومدى تأثيرهم، ويمكن مناقشة هذا المنهج نفسه قبل مناقشة الأسماء.
ولهذا فإن أهم ما في اختيار مايكل هارت ليس رقم «1» وحده.
الأهم هو السؤال الذي قاده إلى هذا الرقم:
كيف نقيس أثر شخص واحد بعد مرور قرون على وفاته؟
وفي حالة محمد ﷺ، رأى هارت أن استمرار الأثر الديني، إلى جانب الدور السياسي والاجتماعي الذي لعبه في حياته، جعلا اجتماع هذين النوعين من التأثير في شخص واحد حالة فريدة داخل قائمته.
مصادر ومراجع
- Michael H. Hart, The 100: A Ranking of the Most Influential Persons in History, first edition, 1978.
- Michael H. Hart, The 100, revised edition, 1992.
- WorldCat – السجل الببليوجرافي للطبعة المنقحة لعام 1992.
- Google Books – بيانات الطبعات الأصلية والمنقحة ومحتويات الكتاب.

COMMENTS